مرتضى الزبيدي
219
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الأصل الثاني : العلم بأنه تعالى عالم بجميع الموجودات ومحيط بكل المخلوقات . لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء « 1 » صادق في قوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 29 ] ، ومرشد إلى صدقه بقوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] أرشدك إلى الاستدلال بالخلق على العلم ، لأنك لا فصل والمحدث يقول قال اللّه تعالى : قُلْ هُوَ الْقادِرُ [ الأنعام : 65 ] وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وأما الصوفي فيقول : كيف لا يكون قادرا وهو قد أقدر العباد على طاعته وجعل ذلك صفة كمال فيهم وهو أولى بالكمال بل هو متفرد به ، فلا قادر في التحقيق إلا هو إذ لا فاعل إلا هو ، وأيضا فإنا إذا انظرنا في أنفسنا واستقرينا من أحوالنا وجدنا ما يبدو في ذواتنا من الأفعال على قسمين : منها ما يكون مصحوبا باعتبارنا كزيادة مقدار أجسامنا طولا وعرضا ، وما كان من هذا القبيل فهو يقف عند أمر خاص ولا يمر إلى غير نهاية فنسبة وقوفه عند ذلك الحد كنسبة وقوفنا في المتحرك فيه ووقوفنا فيما يتحرك فيه فعل اختياري ووقوف أجسامنا عند حدها فعل اختياري وكل اختياري لا يكون عن موجب ولا عن طبع ، وما لا يكون عن موجب ولا عن طبع فهو عن قادر ، فالفاعل لذاوتنا قادر ولا يكون ذلك الفاعل إلا اللّه إذ ما سواه مثلنا والكلام فيه كالكلام فينا . ( الأصل الثاني : العلم بأنه تعالى عالم بجميع الموجودات ) وعلمه محيط بجميع المعلومات على التفصيل ( فلا يعزب ) أي لا يغيب ( عن علمه ) الأزلي الواجب ( مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء صادق في قوله ) جل وعلا : ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ البقرة : 29 ] ظاهره وباطنه دقيقه وجليله ، أوله وآخره عاقبته وخاتمته ، وهذا من حيث الكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه ولا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه ( ومرشد إلى صدقه بقوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الملك : 14 ] قال المصنف : من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح على سبيل الرفق دون العنف ، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف والإدراك تم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا للّه تعالى ، فأما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك بل الخفي عنده كالجلي من غير فرق ، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها فلا يدخل أيضا تحت الحصر إذ لا يعرف اللطف في فعله إلا من عرف تفاصيل أفعاله وعرف دقائق اللطف فيها وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع بمعنى اسم اللطيف ، وأما الخبير فهو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري في الملك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها وهو بمعنى العليم ، إلا أن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة ويسمى صاحبها خبيرا ( أرشدك على الإستدلال
--> ( 1 ) سورة يونس : الآية : 61 . وتصويبها : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ .